السيد ثامر العميدي

83

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

المطلب الثاني : الحياة الثقافية والفكرية ببغداد أوّلًا - مركزية بغداد وشهرتها العلمية : استمرّت الحياة الثقافية والفكرية في عصر الكليني ببغداد بعطائها الثر ونشاطها المبدع ، واتّساع حركتها أكثر بكثير ممّا كانت عليه في العصر العبّاسي الأوّل ، بما يمكن القول إنّ الحياة السياسية وإن فرّقت بين عصري الدولة العبّاسية بلحاظ قوّتها في الأوّل ، واضمحلالها في الثاني ، إلّاأنّ الحياة الثقافية والفكرية قد جعلت من العصرين عصراً واحداً ، لعدم وجود تلك الفوارق الكبيرة بينهما على الصعيد الفكري من هذه الجهة ، سوى نموّ الحركة الفكرية وانطلاقها بخطوات واسعة إلى الأمام أكثر من ذي قبل ، بحيث لم تؤثر تلك التحوّلات السياسية الكبرى في هذا العصر - كعزل ( الخلفاء ) وسمل عيونهم ، وقطع رؤوسهم ، أو جعلهم كالأسير بيد حرسه ، أو الطائر في قفصه ونحو ذلك ممّا تقدّم - على نموّ الفكر الإسلامي بمعناه العريض الواسع واطراده ببغداد . وقد ساعد على ذلك ما امتازت به بغداد على غيرها من الحواضر العلمية ، بتوفّر عوامل النهضة الثقافية والفكرية فيها أكثر من غيرها بكثير . فهي من جهة عاصمة لأكبر دولة في عصر الكليني ، امتدّت حدودها من الصين شرقاً إلى مراكش غرباً ، ومن جهة أخرى تمثّل : ( دار الخلافة ) وبيت الوزارة ، والإمارة ، ومعسكر الجند ، ورئاسة القضاء ، وديوان الكتابة ، وفيها بيت المال ، وإليها يجبى الخراج .